ابن كثير

419

البداية والنهاية

يعلمونه بما وقع ، فأرسل إليهم أن يسرعوا الخروج من البلد في البحر ولا يتأخروا عن هذه الليلة ، ولا يبقى بها مسلم ، فتشاغل كثير ممن كان بها لجمع الأمتعة والأسلحة ، وتأخروا عن الخروج تلك الليلة ، فما أصبح الخبر إلا عند الفرنج من مملوكين صغيرين سمعا بما رسم به السلطان ، فهربا إلى قومهما فأخبروهم بذلك ، فاحتفظوا على البحر احتفاظا عظيما ، فلم يتمكن أحد من أهل البلد أن يتحرك بحركة ، ولا خرج منها شئ بالكلية ، وهذا المملوكان كانا أسيرين قد أسرهما السلطان من أولاد الفرنج ، وعز السلطان على كبس العدو في هذه الليلة ، فلم يوافقه الجيش على ذلك ، وقالوا لا نخاطر بعسكر المسلمين ، فلما أصبح بعث إلى ملوك الفرنج يطلب منهم الأمان لأهل البلد على أن يطلق عدتهم من الاسرى الذين تحت يده من الفرنج ، ويزيدهم صليب الصلبوت ، فأبوا إلا أن يطلق لهم كل أسير تحت يده ، ويطلق لهم جميع البلاد الساحلية التي أخذت منهم ، وبيت المقدس ، فأبى ذلك ، وتردد المراسلات في ذلك ، والحصار يتزايد على أسوار البلد . وقد تهدمت منه ثلم كثيرة ، وأعاد المسلمون كثيرا منها ، وسدوا ثغر تلك الأماكن بنحورهم رحمهم الله ، وصبروا صبرا عظيما ، وصابروا العدو ، ثم كان آخر الامر وصولهم إلى درجة الشهادة ، وقد كتبوا إلى السلطان في آخر أمرهم يقولون له : يا مولانا لا تخضع لهؤلاء الملاعين ، الذين قد أبوا عليك الإجابة إلى ما دعوتهم فينا ، فإنا قد بايعنا الله على الجهاد حتى نقتل عن آخرنا ، وبالله المستعان . فلما كان وقت الظهر في اليوم السابع ( 1 ) من جمادى الآخرة من هذه السنة ، ما شعر الناس إلا وأعلام الكفار قد ارتفعت ، وصلبانهم ونارهم على أسوار البلد ، وصاح الفرنج صيحة واحدة ، فعظمت عند ذلك المصيبة على المسلمين ، واشتد حزن الموحدين ، وانحصر كلام الناس في إنا لله وإنا إليه راجعون ، وغشى الناس بهتة عظيمة ، وحيرة شديدة ، ووقع في عسكر السلطان الصياح والعويل ، ودخل المركيس لعنه الله وقد عاد إليهم في صور بهدايا فأهداها إلى الملوك ، فدخل في هذا اليوم عكا بأربعة أعلام الملوك فنصبها في البلد ، واحدا على المأذنة يوم الجمعة ، وآخر على القلعة ، وآخر على برج الداوية ، وآخر على برج القتال ، عوضا عن أعلام السلطان ، وتحيز المسلمون الذين بها إلى ناحية من البلد معتقلين ، محتاط بهم مضيق عليهم ، وقد أسروا النساء والأبناء ، وغنمت أموالهم ، وقيدت الابطال وأهين الرجال ، والحرب سجال ، والحمد لله على كل حال ( 2 ) .

--> ( 1 ) في تاريخ أبي الفداء : سابع عشر جمادى الآخرة ظهر يوم الجمعة ( انظر الكامل 12 / 66 ) . ( 2 ) قال ابن الأثير في تاريخه أنه : لما رأى المشطوب أن صلاح الدين لا يقدر على نفع ولا يدفع عنهم ضرا خرج إلى الفرنج ، وقرر معهم تسليم البلد ، وخروج من فيه بأموالهم وأنفسهم وبذل لهم عن ذلك مائتي ألف دينار وخمسمائة أسير من المعروفين ، وإعادة صليب الصلبوت وأربعة عشر ألف دينار للمركيس ( في ابن خلدون : المركيش ) صاحب صور فأجابوه إلى ذلك ، وحلفوا له عليه وأن تكون مدة تحصيل المال والأسرى إلى شهرين ( 12 / 67 ابن خلدون 5 / 325 ابن العبري في مختصر الدول ص 222 ) .